منتديات بابل للرياضيات
اهلا وسهلا بالزائر الكريم
في منتديات بابل المتخصصة بالرياضيات المنهجية واللامنهجية في العراق والدول العربية
نرحب بكم معنا في المنتديات
شكرا لكم

في‮ ‬تعلّم‮ ‬الرياضيات‮ ‬وتعليمها بحث جاهز منقول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

23072012

مُساهمة 

في‮ ‬تعلّم‮ ‬الرياضيات‮ ‬وتعليمها بحث جاهز منقول




‮"‬لا‮ ‬أحد‮ ‬يبدأ‮ ‬من‮ ‬الصفر‮ ... ‬ما‮ ‬من‮ ‬تجربة‮ ‬بدؤها‮ ‬العدم،‮ ‬ولا‮ ‬فعل‮ ‬ينطلق‮ ‬من‮ ‬فراغ‮ ... ‬قد‮ ‬تصغر‮ ‬في‮ ‬ذاتنا‮ ‬الأشياء‮ ‬وقد‮ ‬نكبر‮ ‬في‮ ‬ذات‮ ‬الأشياء‮ ..." ‬قالت‮ ‬معلمتي‮.‬

سرد‮ ‬تجربتي‮ ‬البحثية‮ "‬رياضيات‮ ‬ذات‮ ‬معنى‮" ‬يبدأ‮ ‬عند‮ ‬تخوم‮ ‬الصفر،‮ ‬حين‮ ‬كنت‮ ‬طالباً‮ ‬ومعلماً‮ ‬لمادة‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬المرحلة‮ ‬الثانوية‮. ‬وعندما‮ ‬نعود‮ ‬بالذاكرة‮ ‬إلى‮ ‬الوراء،‮ ‬ونعدو‮ ‬في‮ ‬ساحات‮ ‬المكان‮ ‬والزمان‮ ‬بحثاً‮ ‬عن‮ ‬الفضاء‮ ‬الضائع‮ ‬فينا،‮ ‬ومع‮ ‬صعوبة‮ ‬التحرك‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬الوحدة‮ ‬الفضائية‮ ‬الزمكانية؛‮ ‬إلاّ‮ ‬أن‮ ‬قليلاً‮ ‬من‮ ‬الخيال،‮ ‬وبعضاً‮ ‬من‮ ‬الإرادة‮ ‬للتخلص‮ ‬من‮ ‬واقع‮ ‬ضاغط‮ ‬بالغ‮ ‬الكثافة‮ ‬والثقل،‮ ‬سيجعلاننا‮ ‬نتعثر‮ ‬بآلاف‮ ‬التجارب‮ ‬التي‮ ‬تبدو‮ ‬نقاطاً‮ ‬ونتفاً‮ ‬في‮ ‬فضاء‮ ‬الحياة؛‮ ‬وهي‮ ‬أصغر‮ ‬من‮ ‬أن‮ ‬نتوقعها‮ ‬على‮ ‬قدر‮ ‬من‮ ‬الأهمية‮ ‬في‮ ‬لحظة‮ ‬حدوثها‮. ‬قد‮ ‬تبدو‮ ‬معزولة‮ ‬ظاهرياً،‮ ‬ولكنها‮ ‬تبقى‮ ‬تدور‮ ‬في‮ ‬أفلاك‮ ‬الذاكرة،‮ ‬وتتجمع‮ ‬في‮ ‬لحظة‮ ‬زمنية‮ ‬من‮ ‬عمر‮ ‬الإنسان،‮ ‬وتصبح‮ ‬في‮ ‬مجموعها‮ ‬‮"‬نقطة‮ ‬تحول‮"‬‮ ‬في‮ ‬حياتنا‮ ‬أو‮ ‬في‮ ‬عملنا‮ ‬أو‮ ‬في‮ ‬معتقداتنا‮ (‬ربما‮ ‬لأنها‮ ‬أصابت‮ ‬شيئاً‮ ‬فينا،‮ ‬أو‮ ‬أظهرت‮ ‬لنا‮ ‬شيئاً‮ ‬نبحث‮ ‬عنه‮). ‬وكم‮ ‬تكون‮ ‬المتعة‮ ‬كبيرة‮ ‬عندما‮ ‬نفلح‮ ‬في‮ ‬جعل‮ ‬ما‮ ‬نتذكره‮ ‬شيئاً‮ ‬يتخطى‮ ‬مجرد‮ ‬ما‮ ‬نتذكر‮ ‬إلى‮ ‬حدث‮ ‬يُشكّل‮ ‬فرصة‮ ‬للتعلُّم‮. ‬وحتى‮ ‬تكون‮ ‬الذكرى‮ ‬فرصة‮ ‬تعلّم،‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬نكتبها،‮ ‬وعندما‮ ‬نكتبها‮ ‬نحذف‮ ‬عنها‮ ‬بعض‮ ‬تاريخها‮ ‬ونضيف‮ ‬إليها‮ ‬بعضاً‮ ‬من‮ ‬مستقبلها،‮ ‬ولكن‮ ‬تبقى‮ ‬هذه‮ ‬الكتابة‮ ‬ضرورية‮ ‬لردم‮ ‬الهوّة‮ ‬بين‮ ‬وعي‮ ‬الأشياء‮ ‬والصمت‮ ‬أمامها‮.‬

واحدة‮ ‬من‮ ‬تلك‮ ‬المحطات‮ ‬العبورية‮ ‬هي‮ ‬سهام‮ ‬معلمة‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬الصف‮ ‬الخامس،‮ ‬معلمة‮ ‬عصبية،‮ ‬ملولة،‮ ‬ودائمة‮ ‬الشكوى‮ ‬من‮ ‬كسل‮ ‬الطلاب‮ ‬ولامبالاتهم‮ ‬بالرياضيات‮. ‬كانت‮ ‬حين‮ ‬تشرح‮ ‬درسا‮ ‬تبدأ‮ ‬بكتابة‮ ‬سؤال‮ ‬وتحله‮ ‬بصورة‮ ‬مُفصلة،‮ ‬ثم‮ ‬تطلب‮ ‬منا‮ ‬حل‮ ‬أسئلة‮ ‬تُشبهه‮. ‬وعندما‮ ‬كنا‮ ‬نسأل‮ ‬لماذا‮ ‬كذا‮ ‬وكذا‮ ‬تُجيب‮ ‬بترفع‮: ‬هيك‮ ‬القانون‮ ‬هيك‮ ‬الطريقة‮ ‬هيك‮ ‬مكتوب‮ ‬في‮ ‬الكتاب‮! ‬أما‮ ‬إذا‮ ‬سألناها‮ ‬كيف؟‮ ‬فتسارع‮ ‬إلى‮ ‬وصف‮ ‬خطوات‮ ‬الحل‮ ‬بالتفصيل‮ ‬مرة‮ ‬ثانية،‮ ‬ثم‮ ‬تطالبنا‮ ‬بمعرفة‮ ‬كل‮ ‬هذه‮ ‬التفاصيل،‮ ‬وتحاسبنا‮ ‬عليها‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬الامتحان‮. ‬كثيراً‮ ‬ما‮ ‬كانت‮ ‬تقول‮: "‬إذا‮ ‬ما‮ ‬حفظتوا‮ ‬هذه‮ ‬الطريقة‮ ‬مش‮ ‬راح‮ ‬توصلوا‮ ‬للجواب‮ ‬الصحيح‮".‬

في‮ ‬أحد‮ ‬دروس‮ ‬القسمة‮ ‬أعطتنا‮ ‬خوارزميات‮ ‬القسمة‮ ‬الطويلة‮. ‬بدت‮ ‬لي‮ ‬في‮ ‬حينها‮ ‬إجراءات‮ ‬طويلة‮ ‬بلا‮ ‬معنى‮. ‬ذات‮ ‬يوم،‮ ‬وبختني‮ ‬المعلمة‮ ‬سهام‮ ‬لأني‮ ‬كثيراً‮ ‬ما‮ ‬كنت‮ ‬أخطئ‮ ‬في‮ ‬وضع‮ ‬الفاصلة‮ ‬في‮ ‬المكان‮ ‬الصحيح‮. ‬صمتُّ،‮ ‬وقد‮ ‬اعتبرت‮ ‬صمتي‮ ‬الطويل‮ ‬إهمالاً‮ ‬لها‮ ‬أو‮ ‬تعالياً‮ ‬عليها،‮ ‬فأمرت‮ ‬رمزي‮ ‬أن‮ ‬يُحضر‮ ‬العصا‮ ‬من‮ ‬غرفة‮ ‬المدير‮. ‬لم‮ ‬يجدها،‮ ‬فاحضر‮ ‬بدلاً‮ ‬منها‮ ‬منفاخ‮ ‬دراجة‮ ‬هوائية‮ ‬ضربتني‮ ‬به‮ ‬على‮ ‬أطراف‮ ‬أصابعي‮. ‬عندما‮ ‬عدت‮ ‬إلى‮ ‬البيت‮ ‬كان‮ ‬الأثر‮ ‬قد‮ ‬غاب‮ ‬تماماً،‮ ‬وقد‮ ‬أحزنني‮ ‬غياب‮ ‬الأثر،‮ ‬ما‮ ‬عمّق‮ ‬الألم‮ ‬في‮ ‬نفسي‮. ‬في‮ ‬أواخر‮ ‬ذلك‮ ‬العام‮ ‬غابت‮ ‬المعلمة‮ ‬سهام‮ ‬أياماً‮ ‬عدة،‮ ‬وجاءت‮ ‬المعلمة‮ ‬نادية‮ ‬بديلة‮ ‬لها‮. ‬نادية‮ ‬قامت‮ ‬بمراجعة‮ ‬الدروس‮ ‬السابقة،‮ ‬بما‮ ‬فيها‮ ‬درس‮ ‬القسمة‮ ‬الطويلة‮. ‬لم‮ ‬أكن‮ ‬أعرف‮ ‬وقتها‮ ‬لماذا‮ ‬أحببت‮ ‬المعلمة‮ ‬نادية‮. ‬بعد‮ ‬فترة‮ ‬عرفت؛‮ ‬لأنها‮ ‬أعطتنا‮ ‬درساً‮ ‬في‮ ‬القسمة‮ ‬بدون‮ ‬فاصلة‮!‬

‮- ‬معلم‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬الصف‮ ‬العاشر‮ ‬كان‮ ‬من‮ ‬عادته‮ ‬صفع‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬يخطئ‮ ‬في‮ ‬طريقة‮ ‬حل‮ ‬مسألة،‮ ‬أو‮ ‬كل‮ ‬من‮ ‬يصل‮ ‬إلى‮ ‬جواب‮ ‬خاطئ‮. ‬في‮ ‬درس‮ ‬النسب‮ ‬المثلثية‮ ‬والتقديرات‮ ‬الدائرية‮ ‬بدا‮ ‬لي‮ ‬معلم‮ ‬الرياضيات‮ ‬يتحدث‮ ‬بلغة‮ ‬غريبة‮ ‬ومليئة‮ ‬بالرموز،‮ ‬وليس‮ ‬لها‮ ‬علاقة‮ ‬بالأشياء‮ ‬التي‮ ‬نعرفها‮. ‬كتب‮ ‬على‮ ‬اللوح‮ ‬بعض‮ ‬القوانين‮ ‬والرموز،‮ ‬وبيّن‮ ‬علاقاتها‮ ‬فزادها‮ ‬غموضاً‮. ‬سأل‮ ‬عماد‮ ‬عن‮ ‬أصل‮ ‬بعض‮ ‬المصطلحات‮ ‬كالجيب‮ ‬وجيب‮ ‬التمام،‮ ‬ما‮ ‬شجعني‮ ‬أن‮ ‬أسأله‮ ‬أن‮ ‬يحكي‮ ‬لنا‮ ‬قصتها‮. ‬فما‮ ‬كان‮ ‬منه‮ ‬إلا‮ ‬أن‮ ‬صاح‮: "‬هلقيت‮ ‬وقت‮ ‬قصص‮ ‬وحكي‮ ‬فاضي‮ ... ‬خلّي‮ ‬ستّك‮ ‬تحكيلك‮ ‬إياها‮ ... ‬ورجاءً‮ ‬ما‮ ‬بدناش‮ ‬فلسفة‮ .. ‬هذه‮ ‬حصة‮ ‬رياضيات‮ ‬وعلم‮ ‬مش‮ ‬حصة‮ ‬قصص‮ ‬وتضييع‮ ‬وقت‮" ... ‬ثم‮ ‬كتب‮ ‬سؤالاً‮ ‬على‮ ‬اللوح‮ ‬وطلب‮ ‬مني‮ ‬حلّه‮ ... ‬خرجتُ‮ ‬إلى‮ ‬اللوح‮ ‬وبدأت‮ ‬بحل‮ ‬السؤال،‮ ‬فإذا‮ ‬أخطأت‮ ‬بعملية‮ ‬حسابية‮ ‬صفعني‮ ‬على‮ ‬وجهي،‮ ‬وإذا‮ ‬قمت‮ ‬بخطوة‮ ‬لا‮ ‬يتوقعها‮ ‬هو‮ ‬فالصفعة‮ ‬على‮ ‬رقبتي،‮ ‬وإذا‮ ‬سألني‮ ‬عن‮ ‬قانون‮ ‬لا‮ ‬أتذكره‮ ‬لكزني‮ ‬بالعصا‮. ‬تكرر‮ ‬هذا‮ ‬في‮ ‬معظم‮ ‬حصص‮ ‬الرياضيات‮. ‬بالنسبة‮ ‬لي‮ ‬بتُ‮ ‬لفترة‮ ‬طويلة‮ ‬لا‮ ‬أشعر‮ ‬بجسدي‮ ‬إلا‮ ‬حين‮ ‬أخطئ،‮ ‬وقد‮ ‬كرهت‮ ‬جسدي،‮ ‬وبقيتُ‮ ‬فترة‮ ‬لم‮ ‬أعد‮ ‬فيها‮ ‬مبالياً‮ ‬بشيء‮ ‬حتى‮ ‬عندما‮ ‬أتعثر‮ ‬أُحمِّل‮ ‬خطواتي‮ ‬خطأ‮ ‬حساباتي‮.‬

‮- ‬في‮ ‬أيام‮ ‬دراستي‮ ‬في‮ ‬المدرسة‮ ‬كان‮ ‬يشدني‮ ‬ويلفت‮ ‬انتباهي‮ ‬بعض‮ ‬ما‮ ‬كان‮ ‬يكتبه‮ ‬الأستاذ‮ ‬منير‮ ‬فاشة‮ ‬في‮ ‬مجلة‮ ‬‮"‬نشرة‮ ‬في‮ ‬الرياضيات‮"‬،‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬تصدر‮ ‬عن‮ ‬لجنة‮ ‬تطوير‮ ‬الرياضيات‮ ‬المدرسية‮ ‬في‮ ‬السبعينيات،‮ ‬مع‮ ‬أني‮ ‬لم‮ ‬أكن‮ ‬أفهم‮ ‬كل‮ ‬ما‮ ‬يكتب،‮ ‬ولكن‮ ‬شعرت‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬يكتبه‮ ‬يكسر‮ ‬المألوف‮:‬

‮> ‬‮"‬إن‮ ‬الرياضيات‮ ‬المعروضة‮ ‬للبيع‮ ‬في‮ ‬الكتب‮ ‬المنهجية‮ ‬هي‮ ‬هيكل‮ ‬فقد‮ ‬روحه‮. ‬هي‮ ‬تماماً‮ ‬كالأصنام‮ ‬المعروضة‮ ‬في‮ ‬واجهة‮ ‬المحال‮ ‬التجارية‮: ‬فعلى‮ ‬الرغم‮ ‬من‮ ‬أن‮ ‬مقاييسها‮ ‬نموذجية‮ ‬ولها‮ ‬الكثير‮ ‬من‮ ‬الصفات‮ ‬المحببة،‮ ‬فإنها‮ ‬تفتقر‮ ‬إلى‮ ‬الروح‮ ‬والحياة‮. ‬هدفنا‮ ‬أن‮ ‬تُصبح‮ ‬الرياضيات‮ ‬بعد‮ ‬عشر‮ ‬سنوات‮ ‬أو‮ ‬عشرين‮ ‬سنة‮ ‬شيقة‮ ‬للأطفال‮ ‬مثل‮ ‬قصصهم‮ ... ‬هدفنا‮ ‬أن‮ ‬يحكيها‮ ‬الآباء‮ ‬والأمهات‮ ‬لأطفالهم‮ ‬قبل‮ ‬النوم،‮ ‬وعندما‮ ‬يلعبون‮ ‬معهم‮ ... ‬هدفنا‮ ‬أن‮ ‬يعرف‮ ‬الصغير‮ ‬ابن‮ ‬الثامنة‮ ‬عن‮ ‬موضوع‮ ‬واحد‮ ‬على‮ ‬الأقل‮ ‬أكثر‮ ‬من‮ ‬والديه‮ ‬ومعلميه‮".‬
‮> ‬‮"‬كنت‮ ‬مخطئاً‮ ‬حين‮ ‬اعتقدت‮ ‬أن‮ ‬الرياضيات‮ ‬موضوع‮ ‬محايد‮ ‬لا‮ ‬علاقة‮ ‬له‮ ‬بالسلطة‮ ‬ولا‮ ‬بالحضارة‮. ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬ننتبه‮ ‬في‮ ‬دول‮ ‬العالم‮ ‬الثالث‮ ‬من‮ ‬السير‮ ‬في‮ ‬الطريق‮ ‬الذي‮ ‬ساره‮ ‬الغرب‮ ‬من‮ ‬تمجيد‮ ‬المعرفة‮ ‬المنعزلة‮ ‬عن‮ ‬الحضارة‮ ‬والذات‮ ‬والمشاعر‮ ... ‬لهذا‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬تعليم‮ ‬الرياضيات‮ ‬مفتوحاً،‮ ‬وإعادة‮ ‬تثقيف‮ ‬المعلم‮ ‬وليس‮ ‬تدريبه‮ ‬هي‮ ‬الشرط‮ ‬الأهم‮ ‬في‮ ‬ذلك‮".‬
‮> ‬‮"‬حتى‮ ‬في‮ ‬الرياضيات‮ ‬لا‮ ‬توجد‮ ‬حقائق‮ ‬مطلقة،‮ ‬والذي‮ ‬يُحدد‮ ‬الحقيقة‮ ‬هو‮ ‬السياق‮ ... ‬فمثلاً؛‮ ‬واحد‮ ‬لا‮ ‬يُساوي‮ ‬واحداً،‮ ‬والذي‮ ‬يُحدد‮ ‬صحة‮ ‬هذه‮ ‬العبارة‮ ‬هو‮ ‬السياق،‮ ‬فتفاحة‮ ‬جيّدة‮ ‬لا‮ ‬تُساوي‮ ‬تفاحة‮ ‬خربانة‮ ... ‬إن‮ ‬تدريس‮ ‬الرياضيات‮ ‬بمعزل‮ ‬عن‮ ‬الحياة‮ ‬ودون‮ ‬سياقات‮ ‬حقيقية‮ ‬يُعطي‮ ‬نوعاً‮ ‬من‮ ‬الأمان،‮ ‬ولكن‮ ‬في‮ ‬الوقت‮ ‬نفسه‮ ‬يُكرس‮ ‬العزلة‮... . ‬إن‮ ‬الأفكار‮ ‬والنظريات‮ ‬التي‮ ‬تُدرس‮ ‬بشكل‮ ‬مجرد‮ ‬أو‮ ‬بشكل‮ ‬عام،‮ ‬تكون‮ ‬مقبولة‮ ‬لدى‮ ‬معظم‮ ‬الناس،‮ ‬ولكن‮ ‬عند‮ ‬التطبيق‮ ‬يختلف‮ ‬الناس‮ ‬عليها‮ ‬ويتقاتلون‮".‬
‮> ‬يجب‮ ‬ألا‮ ‬نسأل‮ ‬الطلبة‮ ‬إذا‮ ‬كانت‮ ‬هذه‮ ‬العبارة‮ ‬صحيحة‮ ‬أم‮ ‬خاطئة،‮ ‬بل‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬نبحث‮ ‬متى‮ ‬تكون‮ ‬صحيحة‮ ‬وفي‮ ‬أي‮ ‬ظروف‮" ... ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬نُشجع‮ ‬أكثر‮ ‬أسئلة‮ ‬مثل‮ ‬أيهما‮ ‬تُحب‮ ‬أكثر‮ ‬2‮ ‬أم‮ ‬5‮ ‬ولماذا؟

‮(‬في‮ ‬إحدى‮ ‬مقالاته‮ ‬التي‮ ‬نُشرت‮ ‬في‮ ‬جريدة‮ ‬القدس‮ ‬في‮ ‬أواخر‮ ‬السبعينيات‮ ‬من‮ ‬القرن‮ ‬الماضي،‮ ‬توصل‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬الطلبة‮ ‬المحافظين‮ ‬في‮ ‬تفكيرهم‮ ‬وعاداتهم‮ ‬يميلون‮ ‬إلى‮ ‬دراسة‮ ‬الرياضيات‮". ‬الكثير‮ ‬من‮ ‬الناس،‮ ‬وبخاصة‮ ‬العلميين‮ ‬منهم‮ ‬قالوا‮ ‬له‮ ‬كيف‮ ‬عرفت؟‮ ‬هل‮ ‬قست؟‮ ‬هل‮ ‬أخذت‮ ‬عينة‮ ‬عشوائية؟‮ ‬هل‮ ‬أجريت‮ ‬دراسة؟‮)‬

على‮ ‬الرغم‮ ‬من‮ ‬أنني‮ ‬لم‮ ‬أفهم‮ ‬معظم‮ ‬ما‮ ‬كتبه‮ ‬منير،‮ ‬فإن‮ ‬ما‮ ‬قرأته‮ ‬أثار‮ ‬في‮ ‬داخلي‮ ‬أسئلة‮ ‬حيّرتني‮:‬

ما‮ ‬معنى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬للرياضيات‮ ‬علاقة‮ ‬بالسلطة؟‮ ‬ما‮ ‬معنى‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬للرياضيات‮ ‬علاقة‮ ‬بالحضارة؟‮ ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬تمجيد‮ ‬الغرب‮ ‬للمعرفة‮ ‬المنعزلة؟‮ ‬ما‮ ‬معنى‮ ‬عدم‮ ‬وجود‮ ‬حقائق‮ ‬مطلقة‮ ‬في‮ ‬الرياضيات؟‮ ... ‬هل‮ ‬يمكن‮ ‬مثلاً‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬جواب‮ ‬صحيحاً‮ ‬في‮ ‬سياقٍ‮ ‬ما‮ ‬وخاطئاً‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬آخر؟‮ ‬هل‮ ‬تحتمل‮ ‬الرياضيات‮ ‬التناقض؟‮ ‬هل‮ ‬يُمكن‮ ‬للواحد‮ ‬أن‮ ‬لا‮ ‬يساوي‮ ‬الواحد؟‮ ‬هل‮ ‬الفيل‮ ‬الواحد‮ ‬مثل‮ ‬الفيروس‮ ‬الواحد؟‮ ‬هل‮ ‬المسافة‮ ‬بين‮ ‬الماضي‮ ‬والحاضر‮ ‬هي‮ ‬نفسها‮ ‬بين‮ ‬الحاضر‮ ‬والمستقبل‮ (‬خيل‮ ‬لي‮ ‬لفترة‮ ‬من‮ ‬الزمن‮ ‬أن‮ ‬هذه‮ ‬المسافة‮ ‬في‮ ‬الحالتين‮ ‬غير‮ ‬متناهية‮ ‬وتداعت‮ ‬أفكاري‮ ‬لأسأل‮ ‬نفسي‮ ‬ماذا‮ ‬يعني‮ ‬غير‮ ‬متناهٍ؟‮ ‬وتعمَّق‮ ‬تفكيري،‮ ‬وحدست‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬غير‮ ‬متناهٍ‮ ‬في‮ ‬الكبر‮ ‬لا‮ ‬يُساوي‮ ‬غير‮ ‬متناهٍ‮ ‬في‮ ‬الكبر‮ ‬آخر،‮ ‬ولكن‮ ‬ما‮ ‬هي‮ ‬الأشياء‮ ‬غير‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الكبر؟‮ ‬وما‮ ‬دام‮ ‬هناك‮ ‬غير‮ ‬متناه‮ ‬في‮ ‬الكبر‮ ‬إذن‮ ‬هناك‮ ‬أشياء‮ ‬غير‮ ‬متناهية‮ ‬في‮ ‬الصغر؟‮ ‬وقد‮ ‬تصدّع‮ ‬رأسي‮ ‬في‮ ‬التفكير‮ ‬بالاثنتين‮ ‬معاً،‮ ‬وعندما‮ ‬كنت‮ ‬أسأل‮ ‬أحدهم‮ ‬تكون‮ ‬الإجابة‮ ‬من‮ ‬قبيل‮: ‬الأشياء‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الكبر‮ ‬هي‮ ‬النجوم‮ ‬والمجرات،‮ ‬والأشياء‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الصغر‮ ‬هو‮ ‬الإنسان‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬العالم‮ ‬أو‮ ‬حبّة‮ ‬التراب‮ ‬أو‮ ‬ستعرف‮ ‬عندما‮ ‬تدرس‮ ‬رياضيات‮ ‬أو‮ ‬فيزياء‮ ‬في‮ ‬الجامعة‮.. ‬الخ‮).‬

حين‮ ‬ارتحلت‮ ‬إلى‮ ‬الجامعة‮ ‬بكل‮ ‬هذا‮ ‬الإرث‮ ‬الإشكالي‮ ‬وكل‮ ‬هذه‮ ‬الأسئلة‮ ‬حول‮ ‬الرياضيات‮ ‬ومعناها،‮ ‬تخصصت‮ ‬في‮ ‬الرياضيات؛‮ ‬لا‮ ‬رغبة‮ ‬في‮ ‬استدراك‮ ‬إجابات‮ ‬عن‮ ‬أسئلة‮ ‬شغلتني،‮ ‬وإنما‮ ‬لأن‮ ‬معدّلي‮ ‬بالمفهوم‮ ‬الاجتماعي‮ ‬يؤهلني‮ ‬لمهمة‮ ‬من‮ ‬هذا‮ ‬العيار‮ ‬الثقيل،‮ ‬مع‮ ‬أن‮ ‬هاجس‮ ‬دراسة‮ ‬الأدب‮ ‬كان‮ ‬يستحوذ‮ ‬على‮ ‬تفكيري‮ ‬وقتذاك‮. ‬في‮ ‬الجامعة‮ ‬بدأتُ‮ ‬أتلمس‮ ‬انغلاق‮ ‬الموضوعات‮ ‬الرياضية‮ ‬والعلمية‮ ‬عموماً‮ ‬على‮ ‬النظري‮ ‬والمجرد،‮ ‬وانحصار‮ ‬التعليم‮ ‬في‮ ‬اليقينيات‮ ‬والمطلق‮ ‬وغياب‮ ‬السياق،‮ ‬وبدا‮ ‬لي‮ ‬المنطق‮ ‬الرياضي‮ ‬بنوره‮ ‬الشديد‮ ‬يمحي‮ ‬كل‮ ‬منطقة‮ ‬ظليلة‮ ‬أو‮ ‬حافة‮ ‬غامضة‮ ‬تقبل‮ ‬التناقض‮ ‬أو‮ ‬تتسامح‮ ‬مع‮ ‬اللايقين،‮ ‬كما‮ ‬بدت‮ ‬لي‮ ‬الرياضيات‮ ‬وعلوم‮ ‬الطبيعة‮ ‬أبعد‮ ‬من‮ ‬أن‮ ‬تطالها‮ ‬عواطف‮ ‬الإنسان‮ ‬وثقافته،‮ ‬وقد‮ ‬تمنيت‮ ‬أن‮ ‬أرى‮ ‬مثلاً‮ ‬في‮ ‬مساق‮ ‬الهندسية‮ ‬الفراغية‮ ‬شيئاً‮ ‬عن‮ ‬الفلك‮. ‬ليس‮ ‬فقط‮ ‬وصفاً‮ ‬لأشكال‮ ‬وعرضاً‮ ‬لمعادلات‮ ‬قوى‮ ‬الجذب‮ ‬والدوران،‮ ‬بل‮ ‬أيضاً‮ ‬وصف‮ ‬لكيمياء‮ ‬العقل‮ ‬وفلك‮ ‬النفس‮ ‬والوجدان‮. ‬وسرعان‮ ‬ما‮ ‬اكتشفت‮ ‬أن‮ ‬تخصص‮ ‬الرياضيات‮ ‬لا‮ ‬يُناسبني‮. ‬ولكن‮ ‬التحويل‮ ‬إلى‮ ‬كلية‮ ‬الآداب‮ ‬يعني‮ ‬من‮ ‬وجهة‮ ‬نظر‮ ‬بعضهم‮ ‬هبوطاً‮ ‬من‮ ‬تخصص‮ ‬صلب‮ ‬منيع‮ ‬إلى‮ ‬تخصص‮ ‬رخو،‮ ‬بما‮ ‬يحمل‮ ‬ذلك‮ ‬من‮ ‬مواضعات‮ ‬اجتماعية‮. ‬وبقيتُ‮ ‬في‮ ‬حصن‮ ‬الرياضيات‮ ‬المنيع‮.‬

‮(‬كم‮ ‬تمنيتُ‮ ‬وقتذاك‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬هناك‮ ‬تخصص‮ ‬يجمع‮ ‬الرياضيات‮ ‬بالآداب‮ ... ‬يجمع‮ ‬بين‮ ‬تخصص‮ ‬الرياضيات‮ ‬كأقصى‮ ‬حدود‮ ‬التمثيل‮ ‬التجريدي‮ ‬واليقين،‮ ‬وبين‮ ‬الأدب‮ ‬حيث‮ ‬الوجود‮ ‬لغة‮ ‬تحمل‮ ‬كل‮ ‬لايقيناتها‮!).‬

امتهنت‮ ‬مهنة‮ ‬التعليم،‮ ‬ويبدو‮ ‬أن‮ ‬تأثير‮ ‬المدرسة‮ ‬والجامعة‮ ‬لا‮ ‬يكمن‮ ‬في‮ ‬المادة‮ ‬التي‮ ‬تُعلِّمها‮ ‬بقدر‮ ‬ما‮ ‬يكمن‮ ‬في‮ ‬فرض‮ ‬التعود‮ ‬على‮ ‬نموذج‮ ‬محدد‮ ‬من‮ ‬التفكير‮ ‬والسلوك،‮ ‬وقد‮ ‬تعودتُ‮ ‬على‮ ‬ممارسات‮ ‬أقرب‮ ‬لتلك‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬يُمارسها‮ ‬معلمونا‮ ‬في‮ ‬المدرسة‮ ‬والجامعة،‮ ‬فحصر‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬النظريات‮ ‬والقوانين‮ ‬والأسئلة‮ ‬المجردة،‮ ‬ونزع‮ ‬المفاهيم‮ ‬من‮ ‬السياق،‮ ‬والقيام‮ ‬بتجزئة‮ ‬المادة‮ ‬وتبسيطها،‮ ‬والمبالغة‮ ‬في‮ ‬الدقة‮ ‬والتفاصيل،‮ ‬كانت‮ ‬في‮ ‬مستوى‮ ‬القانون‮ ‬الطبيعي‮ ‬بالنسبة‮ ‬لي،‮ ‬وبخاصة‮ ‬في‮ ‬بدايات‮ ‬عملي،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما‮ ‬كنتُ‮ ‬أقف‮ ‬عاجزاً‮ ‬أمام‮ ‬أسئلة‮ ‬من‮ ‬نوع‮ ‬لماذا،‮ ‬وأستحسن‮ ‬أسئلة‮ ‬من‮ ‬نوع‮ ‬كيف،‮ ‬وكانت‮ ‬أسئلة‮ ‬مثل‮: ‬من‮ ‬أين‮ ‬جاء‮ ‬هذا‮ ‬القانون‮ ‬أو‮ ‬ما‮ ‬قصة‮ ‬هذه‮ ‬النظرية؟‮ ‬ما‮ ‬معنى‮ ‬هذا‮ ‬القانون؟‮ ‬إلى‮ ‬متى‮ ‬يبقى‮ ‬هذا‮ ‬الجواب‮ ‬صحيحاً؟‮ ‬ما‮ ‬الذي‮ ‬جعل‮ ‬فلان‮ ‬يفكر‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬البرهان؟‮ ... ‬مثل‮ ‬هذه‮ ‬الأسئلة‮ ‬كانت‮ ‬تستفزني‮ ‬وترفع‮ ‬من‮ ‬منسوب‮ ‬الرغبة‮ ‬في‮ ‬البحث،‮ ‬ومع‮ ‬ذلك‮ ‬فغالباً‮ ‬ما‮ ‬كنتُ‮ ‬أتجاهلها‮ ‬وأعتبر‮ ‬أن‮ ‬موضوعاتها‮ ‬أُموراً‮ ‬زائدة‮ ‬عن‮ ‬الحاجة،‮ ‬ويبدو‮ ‬أن‮ ‬الرغبة‮ ‬في‮ ‬تجاهل‮ ‬المعرفة‮ ‬تُعادل‮ ‬الرغبة‮ ‬فيها،‮ ‬وبخاصة‮ ‬إذا‮ ‬كان‮ ‬الإنسان‮ ‬واقعاً‮ ‬تحت‮ ‬ضغط‮ ‬الواجب‮ ‬الوظيفي‮ ‬وسلطة‮ ‬العادة‮.‬

أتذكر‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬المجال‮ ‬الطالبة‮ ‬هديل‮ ... ‬التي‮ ‬كان‮ ‬يعتبرها‮ ‬بعض‮ ‬المعلمين‮ ‬متعالية‮ ‬وبعضهم‮ ‬الآخر‮ ‬يعتبرها‮ ‬جريئة‮ ... ‬أتذكرها‮ ‬عندما‮ ‬وقفت‮ ‬في‮ ‬الصف‮ ‬العاشر،‮ ‬وقالت‮ ‬بلهجة‮ ‬احتجاجية‮:‬

كل‮ ‬ما‮ ‬نسألك‮ ‬عن‮ ‬أصل‮ ‬هذه‮ ‬النظرية‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬قصتها‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬معناها‮ ‬أو‮ ‬عن‮ ‬شكل‮ ‬ارتباطها‮ ‬في‮ ‬الواقع‮ ‬تتهرب‮ ‬من‮ ‬الجواب‮ ... ‬أو‮ ‬تبدأ‮ ‬بحل‮ ‬سؤال‮ ‬تعتبره‮ ‬تطبيقاً‮ ‬على‮ ‬النظرية،‮ ‬وتهتم‮ ‬بالتفاصيل‮ ‬والوصول‮ ‬إلى‮ ‬الجواب‮ ‬الصحيح‮ ... ‬هل‮ ‬علموكم‮ ‬في‮ ‬الجامعة‮ ‬كيف‮ ‬تحلّون‮ ‬أسئلة‮ ‬فقط؟‮ ‬أنا‮ ‬يا‮ ‬أستاذ‮ ‬أعرف‮ ‬أحل‮ ‬أسئلة‮ ... ‬أعرف‮ ‬كيف‮ ‬أصل‮ ‬إلى‮ ‬الجواب‮ ‬الصحيح،‮ ‬ومع‮ ‬ذلك‮ ‬لا‮ ‬أرى‮ ‬أنها‮ ‬تضيف‮ ‬معنى‮ ‬لهذه‮ ‬القوانين‮ ‬والنظريات‮ ... .‬

حاولت‮ ‬أن‮ ‬أدافع‮ ‬عن‮ ‬الرياضيات‮ ‬وأنا‮ ‬في‮ ‬الواقع‮ ‬أدافع‮ ‬عن‮ ‬نفسي،‮ ‬فحاولت‮ ‬تبيان‮ ‬بعض‮ ‬التطبيقات‮ ‬للموضوع‮ ... ‬قاطعتني‮ ‬هديل،‮ ‬وقالت‮:‬

لا‮ ‬أشك‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬لها‮ ‬تطبيقات‮ ‬في‮ ‬الواقع‮ ‬والحياة،‮ ‬ولكن‮ ‬ما‮ ‬يهمني‮ ‬أولاً‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬لها‮ ‬معنى‮ ‬بالنسبة‮ ‬لي‮ ... ‬ويؤسفني‮ ‬أن‮ ‬أخبرك‮ ‬وقد‮ ‬اخترتموني‮ ‬للقسم‮ ‬العلمي‮ ‬أن‮ ‬مادة‮ ‬الرياضيات‮ ‬عموماً‮ ‬لا‮ ‬تُطاوع‮ ‬عقلي،‮ ‬وكلما‮ ‬أحاول‮ ‬تطويعها‮ ‬تتكسر‮ ‬النظريات‮ ‬والقوانين‮ ‬في‮ ‬داخلي‮ ‬وتُصبح‮ ‬دون‮ ‬معنى‮. ‬بتعرف‮ ‬ليش‮ ‬يا‮ ‬أستاذ؟‮ ‬لأنها‮ ‬باردة‮ ‬وصلبة‮ ‬وجامدة‮ ‬كالتماثيل،‮ ‬والتماثيل‮ ‬عندما‮ ‬تُحاول‮ ‬تطويعها‮ ‬تنكسر‮.‬

avatar
الاستاذ هلال
مدرس / مدرسة رياضيات
مدرس / مدرسة رياضيات

عدد المساهمات : 8
نقاط : 2011
تاريخ التسجيل : 20/07/2012
العنوان : العراق
العمل : مدرس

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

في‮ ‬تعلّم‮ ‬الرياضيات‮ ‬وتعليمها بحث جاهز منقول :: تعاليق

avatar

مُساهمة في الإثنين يوليو 23, 2012 9:12 pm من طرف الاستاذ هلال

من‮ ‬الأشياء‮ ‬التي‮ ‬أتذكرها‮ ‬في‮ ‬أثناء‮ ‬ممارستي‮ ‬لمهنة‮ ‬التعليم،‮ ‬انشداد‮ ‬الطلبة‮ ‬عند‮ ‬استخدام‮ ‬اللغة‮ ‬العادية‮ ‬في‮ ‬تدريس‮ ‬المفاهيم‮ ‬والنظريات‮ ‬كأن‮ ‬أقول‮ ‬مثلاً‮ ‬إن‮ ‬هذه‮ ‬الإشارة‮ ‬سيجما‮ ‬لما‮ ‬نمطها‮ ‬بتصير‮ ‬زي‮ ‬حرف‮ ‬أس،‮ ‬الانحراف‮ ‬المعياري‮ ‬هو‮ ‬أداة‮ ‬لقياس‮ ‬قديش‮ ‬القيم‮ ‬بعيدة‮ ‬عن‮ ‬بعض،‮ ‬أو‮ ‬أن‮ ‬هذه‮ ‬اللانهاية‮ ‬بشعة‮ ‬أو‮ ‬تلك‮ ‬اللانهاية‮ ‬ناعمة‮ ... ‬أو‮ ‬عند‮ ‬استخدام‮ ‬التشبيهات‮ ‬والمجاز‮ ‬كأن‮ ‬أشبه‮ ‬الأعداد‮ ‬بالبشر،‮ ‬أو‮ ‬أشبهها‮ ‬بأشجار‮ ‬الغابات،‮ ‬أو‮ ‬عندما‮ ‬أقدم‮ ‬مفهوماً‮ ‬أو‮ ‬نظرية‮ ‬من‮ ‬خلال‮ ‬قصة؛‮ ‬كنت‮ ‬أنتبه‮ ‬إلى‮ ‬الفارق‮ ‬النوعي‮ ‬في‮ ‬التفاعل‮ ‬الذي‮ ‬يُحدثه‮ ‬استخدام‮ ‬اللغة‮ ‬الطبيعية،‮ ‬كنتُ‮ ‬ألحظ‮ ‬اطمئنانهم‮ ‬وشعورهم‮ ‬بالألفة‮ ‬ورغبتهم‮ ‬في‮ ‬التعبير‮ ‬والخروج‮ ‬عن‮ ‬سياق‮ ‬الحصة‮. ‬أتذكر‮ ‬في‮ ‬إحدى‮ ‬حصص‮ ‬الصف‮ ‬الحادي‮ ‬عشر،‮ ‬وفي‮ ‬درس‮ ‬أنظمة‮ ‬العد‮ ‬قلت‮ ‬إن‮ ‬الصفر‮ ‬وبمجرد‮ ‬وقوفه‮ ‬على‮ ‬يمين‮ ‬الأرقام‮ ‬ينقلها‮ ‬من‮ ‬مرتبة‮ ‬إلى‮ ‬مرتبة،‮ ‬ويزيد‮ ‬من‮ ‬أهميتها،‮ ‬وبمجرد‮ ‬وقوفه‮ ‬على‮ ‬يسارها‮ ‬يكون‮ ‬نقطة‮ ‬عديمة‮ ‬الأهمية،‮ ‬بينما‮ ‬يكون‮ ‬عدماً‮ ‬حين‮ ‬يكون‮ ‬وحيداً‮. ‬بعض‮ ‬الطالبات‮ ‬سلّموا‮ ‬بما‮ ‬قلت،‮ ‬أصلاً‮ ‬لم‮ ‬أقل‮ ‬شيئاً‮ ‬غير‮ ‬عادي،‮ ‬ولكن‮ ‬ربما‮ ‬استخدمت‮ ‬لغة‮ ‬أقل‮ ‬رياضية‮ ‬من‮ ‬المألوف‮. ‬الطالبة‮ ‬نورس‮ ‬كانت‮ ‬تنظر‮ ‬إلى‮ ‬الجانب‮ ‬الآخر‮ ‬من‮ ‬الأمر،‮ ‬فسألت‮: ‬هل‮ ‬الأرقام‮ ‬جعلت‮ ‬الصفر‮ ‬بهذه‮ ‬الأهمية‮ ‬أم‮ ‬هو‮ ‬الذي‮ ‬أعطى‮ ‬هذه‮ ‬الأرقام‮ ‬تلك‮ ‬المرتبة؟‮ ‬ما‮ ‬شجع‮ ‬عالية‮ ‬على‮ ‬الاستفسار‮ ‬عن‮ ‬علاقة‮ ‬الصفر‮ ‬بالعدم،‮ ‬ورنان‮ ‬سألت‮ ‬عن‮ ‬إمكانية‮ ‬تُحول‮ ‬الكميات‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الصغر‮ ‬صفراً،‮ ‬وتداعت‮ ‬الأفكار‮ ‬لدى‮ ‬يُسرى‮ ‬وقالت‮ ‬إن‮ ‬عكس‮ ‬معنى‮ ‬متناهٍ‮ ‬في‮ ‬الصغر‮ ‬متناهٍ‮ ‬في‮ ‬الكبر،‮ ‬واستفسرت‮ ‬إذا‮ ‬ما‮ ‬كانت‮ ‬هذه‮ ‬الكميات‮ -‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الكبر‮- ‬متساوية‮. ‬الآن‮ ‬أقر‮ ‬أن‮ ‬استخدامي‮ ‬للغة‮ ‬الطبيعية‮ ‬في‮ ‬تقديم‮ ‬الدروس‮ ‬لم‮ ‬تكن‮ ‬لخدمة‮ ‬هدف‮ ‬بنائي‮ ‬لموضوع‮ ‬الدرس،‮ ‬بل‮ ‬كانت‮ ‬في‮ ‬مجملها‮ ‬ممارسات‮ ‬برانية‮ ‬ارتجالية‮ ‬لا‮ ‬تتجاوز‮ ‬في‮ ‬أحسن‮ ‬الأحوال‮ ‬هدف‮ ‬إثارة‮ ‬اهتمام‮ ‬الطلبة‮ ‬بموضوع‮ ‬الدرس‮.‬

في‮ ‬بداية‮ ‬عملي‮ ‬باحثاً‮ ‬في‮ ‬مركز‮ ‬القطان‮ ‬تشبثتُ‮ ‬بإرثي،‮ ‬وقد‮ ‬أعلنتُ‮ ‬تحيّزي‮ ‬للأبحاث‮ ‬الكمية،‮ ‬وتبيّن‮ ‬لي‮ ‬بعد‮ ‬مرور‮ ‬سنة‮ ‬من‮ ‬العمل‮ ‬بؤس‮ ‬هذه‮ ‬اللعبة‮ ‬البحثية،‮ ‬وقد‮ ‬أعلنت‮ ‬الحرب‮ ‬على‮ ‬تحيُّزي‮ ‬هذا‮ ‬مبتدئاً‮ ‬بتفكيك‮ ‬مكونات‮ ‬البحث‮ ‬الكمي‮ ‬من‮ ‬الفرضية‮ ‬الصفرية،‮ ‬إلى‮ ‬الإطار‮ ‬النظري،‮ ‬إلى‮ ‬حدود‮ ‬البحث،‮ ‬إلى‮ ‬التصميم،‮ ‬فالأداة،‮ ‬فالتحليل‮ ‬الإحصائي،‮ ‬حتى‮ ‬التوصيات،‮ ‬ومنتهياً‮ ‬بتقويض‮ ‬إيماني‮ ‬بالرقم،‮ ‬حيث‮ ‬لم‮ ‬أعد‮ ‬أفهم‮ ‬هذا‮ ‬الإعجاب‮ ‬النمطي‮ ‬بالدقة‮ ‬والرقم‮. ‬لم‮ ‬أعد‮ ‬أرضى‮ ‬بالتضحية‮ ‬بتكامل‮ ‬الظواهر‮ ‬الإنسانية‮ ‬ذات‮ ‬العلاقات‮ ‬الديناميكية‮ ‬المتشابكة‮ ‬والمتذبذبة‮ ‬وتحويلها‮ ‬إلى‮ ‬أشياء‮ ‬مستقيمة‮ ‬وجامدة،‮ ‬لكي‮ ‬تُقاس‮ ‬بالمسطرة،‮ ‬وتأخذ‮ ‬نتيجة‮ ‬رقمية‮. ‬لم‮ ‬أعد‮ ‬أقبل‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬النتيجة‮ ‬كلّية‮ ‬الأهمية،‮ ‬فبناءً‮ ‬على‮ ‬فروق‮ ‬أل‮ ‬0.001‮ ‬مثلاً،‮ ‬نرفض‮ ‬أشياء‮ ‬ونقبل‮ ‬أخرى،‮ ‬وعلى‮ ‬أساس‮ ‬هذه‮ ‬النتيجة‮ ‬تؤخذ‮ ‬قرارات‮ ‬أو‮ ‬تُطور‮ ‬إستراتيجيات‮. ‬هذا‮ ‬عبثي‮ ‬وغير‮ ‬معقول‮. ‬عندما‮ ‬تكون‮ ‬النتيجة‮ ‬كلية‮ ‬الأهمية‮ ‬تنفصل‮ ‬الوسيلة‮ ‬عن‮ ‬غايتها‮. ‬الناس‮ ‬يشنون‮ ‬الحرب‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬السلام‮. ‬هل‮ ‬من‮ ‬شيء‮ ‬يفوق‮ ‬ذلك‮ ‬عبثاً‮ ‬ولا‮ ‬معقولية‮!‬

كل‮ ‬حدث‮ ‬في‮ ‬حياة‮ ‬الإنسان‮ ‬هو‮ ‬فرصة‮ ‬للتعلَّم،‮ ‬والأحداث‮ ‬لا‮ ‬تعلِّم‮ ‬دون‮ ‬استناد‮ ‬جدلي‮ ‬إلى‮ ‬حاضر‮ ‬يحولها‮ ‬من‮ ‬نظرة‮ ‬إلى‮ ‬فكرة‮ ‬إلى‮ ‬فعل‮ ‬إلى‮ ‬نظرة‮ ‬مرة‮ ‬أخرى،‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬هناك‮ ‬فرصة‮ ‬لتحويل‮ ‬هذا‮ ‬المفتت‮ ‬في‮ ‬الماضي‮ ‬إلى‮ ‬مكثف‮ ‬في‮ ‬الحاضر،‮ ‬ولعلّ‮ ‬التجربة‮ ‬البحثية‮ -‬غير‮ ‬الكمية‮- ‬مع‮ ‬زميلتي‮ ‬ليانا‮ "‬ثقافة‮ ‬الرياضيات‮ ... ‬رياضيات‮ ‬ذات‮ ‬معنى‮"‬،‮ ‬التي‮ ‬استمرت‮ ‬ثلاث‮ ‬سنوات،‮ ‬وشارك‮ ‬فيها‮ ‬معلمون‮ ‬ومعلمات1‮ ‬من‮ ‬مدارس‮ ‬خاصة‮ ‬وحكومية‮ ‬في‮ ‬لواء‮ ‬رام‮ ‬الله،‮ ‬قد‮ ‬وفرت‮ ‬لي‮ ‬الفرصة‮ ‬في‮ ‬لملمة‮ ‬الأحداث‮ ‬المبعثرة‮ ‬في‮ ‬دائرة‮ ‬الداخل،‮ ‬حيث‮ ‬امتزجت‮ ‬كلها‮ ‬بحوارات‮ ‬وقراءات‮ ‬وتأملات،‮ ‬وتحولت‮ ‬إلى‮ ‬كتابات‮ ‬وورش‮ ‬عمل‮ ‬ومواد‮ ‬تعليمية،‮ ‬تجاوزت‮ ‬التأمل‮ ‬والإنصات‮ ‬إلى‮ ‬الذات‮ ‬في‮ ‬أقصى‮ ‬حدودها،‮ ‬أقول‮ ‬تجاوزتها‮ ‬إلى‮ ‬الفكر،‮ ‬وقد‮ ‬تخطتها‮ ‬إلى‮ ‬القصد‮ ‬في‮ ‬الممارسة‮ ‬في‮ ‬حدها‮ ‬الممكن‮.‬

الآن،‮ ‬وفي‮ ‬ضوء‮ ‬التجربة‮ ‬والخبرة‮ ‬والعمل،‮ ‬وفي‮ ‬سياق‮ ‬موصول‮ ‬بتلك‮ ‬النتف‮ ‬والأحداث‮ ‬التي‮ ‬تطرقتُ‮ ‬إليها‮ ‬في‮ ‬هذه‮ ‬الورقة،‮ ‬أقدّم‮ ‬قناعاتي‮ ‬ورؤيتي‮ ‬في‮ ‬موضوع‮ ‬تعليم‮ ‬الرياضيات‮ ‬وتعلمها‮:‬

‮> ‬إن‮ ‬الرياضيات‮ ‬حتى‮ ‬يتم‮ ‬تعليمها‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬لها‮ ‬معنى،‮ ‬وحتى‮ ‬يكون‮ ‬لها‮ ‬معنى‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬تُعلّم‮ ‬كموضوع‮ ‬مفتوح‮ ‬على‮ ‬المعارف‮ ‬والعلوم‮. ‬على‮ ‬الثقافي‮ ‬والنفسي‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬محصورة‮ ‬في‮ ‬عالم‮ ‬من‮ ‬الرموز‮ ‬والمجردات،‮ ‬فالمجرد‮ ‬والشكلي‮ ‬لا‮ ‬يُعطي‮ ‬مجالات‮ ‬للتعلم،‮ ‬ولا‮ ‬يوفّر‮ ‬كفاية‮ ‬للتواصل‮ ‬الحقيقي،‮ ‬التجريد‮ ‬لا‮ ‬يعكس‮ ‬قوة‮ ‬في‮ ‬التفكير،‮ ‬وإن‮ ‬كان‮ ‬فضعف‮ ‬بالتعبير‮- ‬على‮ ‬حد‮ ‬تعبير‮ ‬منير‮ ‬فاشه‮- ‬وبالتالي‮ ‬يجب‮ ‬تقديم‮ ‬الرياضيات‮ ‬في‮ ‬سياقات‮ ‬حقيقية‮ ‬وواقعية‮ ‬وأصيلة‮ ‬وكمركب‮ ‬يُدمج‮ ‬في‮ ‬منظومة‮ ‬تشمل‮ ‬اللغة‮ ‬العادية،‮ ‬والصيغ،‮ ‬والرموز‮ ‬الرياضية،‮ ‬والتمثيلات‮ ‬والممارسات‮ ‬الاجتماعية،‮ ‬فالمعنى‮ ‬لا‮ ‬يُمكن‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬خارج‮ ‬علاقة‮ ‬الإنسان‮ ‬بالعالم‮.‬
‮> ‬إن‮ ‬إزالة‮ ‬السياق‮ ‬بهدف‮ ‬التعميم‮ ‬هو‮ ‬من‮ ‬جوهر‮ ‬الرياضيات‮ ‬والعلوم‮ ‬الغربية،‮ ‬حيث‮ ‬يتم‮ ‬نزع‮ ‬القضايا‮ ‬من‮ ‬سياقاتها‮ ‬وتبسيطها‮ ‬وتفكيكها‮ ‬وإخضاعها‮ ‬لقوانين‮ ‬ومبادئ‮ ‬موضوعية،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلى‮ ‬تعميمات‮ ‬وصيغ‮ ‬ومعادلات‮ ‬آمنة‮ ‬ولكنها‮ ‬خارجة‮ ‬عن‮ ‬المكان‮ ‬والزمان‮. ‬غياب‮ ‬السياق‮ ‬شيء‮ ‬مألوف‮ ‬في‮ ‬مناهجنا‮ ‬المدرسية،‮ ‬حيث‮ ‬تتحول‮ ‬النظريات‮ ‬والقوانين‮ ‬إلى‮ ‬تماثيل‮ ‬جامدة‮ ‬تتكسر،‮ ‬والأرقام‮ ‬إلى‮ ‬أشياء‮ ‬صماء‮ ‬تتسيد‮ ‬ولا‮ ‬تخدم‮.‬
‮> ‬وجود‮ ‬سياق‮ ‬واقعي‮ ‬وحقيقي‮ ‬للموضوع‮ ‬الرياضي‮ ‬يجعلنا‮ ‬نرى‮ ‬القوانين‮ ‬والنظريات‮ ‬والمفاهيم‮ ‬ضمن‮ ‬واقع‮ ‬حي‮ ‬يخضع‮ ‬لتنظيم‮ ‬مُركب‮ ‬وثري‮ ‬لا‮ ‬يُمكن‮ ‬تبسيطه‮ ‬في‮ ‬رؤية‮ ‬آلية‮ ‬تحكمها‮ ‬قوانين‮ ‬خطية‮ ‬ومبادئ‮ ‬تبسيطية،‮ ‬وبالمنطق‮ ‬نفسه‮ ‬الذي‮ ‬يحكم‮ ‬الآلة‮. ‬لهذا،‮ ‬ففي‮ ‬السياق‮ ‬الواقعي‮ ‬لا‮ ‬توجد‮ ‬حقائق‮ ‬مطلقة،‮ ‬يُمكن‮ ‬أن‮ ‬يكون‮ ‬الواحد‮ ‬لا‮ ‬يُساوي‮ ‬الواحد‮ ‬مثلاً،‮ ‬يُمكن‮ ‬أن‮ ‬تكون‮ ‬هذه‮ ‬النتيجة‮ ‬صحيحة‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬السياق،‮ ‬وأقل‮ ‬صحة‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬آخر،‮ ‬وخاطئة‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬ثالث‮. ‬وإذا‮ ‬كان‮ ‬المنطق‮ ‬الرياضي‮ ‬يلائم‮ ‬بعض‮ ‬مظاهر‮ ‬الواقع‮ ‬الظاهراتي،‮ ‬فإنه‮ ‬لا‮ ‬يلائم‮ ‬مظاهر‮ ‬الواقع‮ ‬المركبة،‮ ‬التي‮ ‬تتطلب‮ ‬منطقاً‮ ‬يرى‮ ‬الواقع‮ ‬دائرة‮ ‬ولا‮ ‬يراه‮ ‬خطاً‮ ‬مستقيماً‮.‬
‮> ‬القصة‮ ‬ليست‮ ‬حكياً‮ ‬فاضياً‮ ‬أو‮ ‬شيئاً‮ ‬برّانياً،‮ ‬بل‮ ‬هي‮ ‬سياق‮ ‬من‮ ‬شأنه‮ ‬تمكين‮ ‬الطلبة‮ ‬من‮ ‬ممارسة‮ ‬أفعال‮ ‬التعبير‮ ‬بأقصى‮ ‬الطاقات،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فنجاح‮ ‬تقديم‮ ‬مفاهيم‮ ‬رياضية‮ ‬داخل‮ ‬نص‮ ‬قصصي‮ ‬يُساعد‮ ‬الطلبة‮ ‬على‮ ‬استيعاب‮ ‬المفهوم‮ ‬في‮ ‬سياق‮ ‬ديناميكي‮ ‬تتعدد‮ ‬فيه‮ ‬المعاني‮ ‬وتختلف‮ ‬المنظورات،‮ ‬حيث‮ ‬تظهر‮ ‬المفاهيم‮ ‬الرياضية‮ ‬كأفكار‮ ‬اجتماعية‮ ‬المنشأ،‮ ‬وهذا‮ ‬يُتيح‮ ‬فرصة‮ ‬للطلبة‮ ‬لكي‮ ‬يُطوروا‮ ‬معانيهم‮ ‬الذاتية‮ ‬في‮ ‬الموضوع‮. ‬وعبر‮ ‬النص‮ ‬القصصي‮ ‬أيضاً‮ ‬تتوفر‮ ‬الفرصة‮ ‬لتجاوز‮ ‬الجواب‮ ‬الواحد‮ ‬والطريقة‮ ‬الواحدة‮ ‬ويتحرر‮ ‬الطلبة‮ ‬من‮ ‬ممارسات‮ ‬مقيدة‮ ‬بالقوانين‮ ‬والقواعد‮ ‬والخوارزميات‮ ‬التي‮ ‬ترسخ‮ ‬نزعة‮ ‬جامدة‮ ‬ومنطقاً‮ ‬ثنائياً‮ ‬في‮ ‬التعامل‮ ‬مع‮ ‬المسائل‮ ‬والمشكلات‮ ‬الرياضية،‮ ‬وتُغيّيب‮ ‬الإنتاج‮ ‬الشخصي‮. ‬كذلك‮ ‬اللغة‮ ‬الطبيعية‮ ‬تُعتبر‮ ‬مجالاً‮ ‬واسعاً‮ ‬لتعليم‮ ‬رياضيات‮ ‬ذات‮ ‬معنى،‮ ‬فاستعمالها‮ ‬في‮ ‬حصة‮ ‬الرياضيات‮ ‬ليس‮ ‬أمراً‮ ‬زائداً،‮ ‬بل‮ ‬هو‮ ‬أمر‮ ‬أساسي،‮ ‬حيث‮ ‬اللغة‮ ‬الطبيعية‮ ‬هي‮ ‬الجسد‮ ‬الحسي‮ ‬الذي‮ ‬يوفر‮ ‬للموضوعات‮ ‬الرياضية‮ ‬سمات‮ ‬الوجود‮ ‬وإمكانات‮ ‬الحياة،‮ ‬فلا‮ ‬يجوز‮ ‬حشر‮ ‬الطلاب‮ ‬ضمن‮ ‬عالم‮ ‬من‮ ‬الإشارات‮ ‬والرموز‮ ‬ومصطلحات‮ ‬تفتقر‮ ‬إلى‮ ‬الحيوية،‮ ‬ونحاسبه‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬يستعملها‮ ‬عندما‮ ‬نُقيّم‮ ‬قدرتهم‮ ‬على‮ ‬استعمال‮ ‬هذه‮ ‬الإشارات‮ ‬والرموز‮. ‬إن‮ ‬اللغة‮ ‬الطبيعية‮ ‬تُخفض‮ ‬عملية‮ ‬تعليم‮ ‬الرياضيات‮ ‬من‮ ‬تعاليها‮ ‬السماوي،‮ ‬وتسلك‮ ‬بها‮ ‬سلوكاً‮ ‬أرضياً،‮ ‬تُبني‮ ‬على‮ ‬أساسه‮ ‬المعاني‮ ‬وتفتح‮ ‬المجال‮ ‬للطلبة‮ ‬لتجاوز‮ ‬المجال‮ ‬الرياضي‮ ‬والنظر‮ ‬إلى‮ ‬جوانب‮ ‬أخرى‮ ‬من‮ ‬المعرفة‮. ‬وعليه،‮ ‬فعلى‮ ‬المعلم‮ ‬توظيف‮ ‬اللغة‮ ‬ذات‮ ‬المعنى‮ ‬من‮ ‬أجل‮ ‬تطوير‮ ‬المعنى‮ ‬للغة‮ ‬الرياضية‮.‬
‮> ‬قد‮ ‬يكون‮ ‬من‮ ‬الضروري‮ ‬الحفاظ‮ ‬على‮ ‬الدقة‮ ‬الرياضية‮ ‬وتعويد‮ ‬الطلاب‮ ‬على‮ ‬أهميتها،‮ ‬ومع‮ ‬ذلك‮ ‬يجب‮ ‬الاختصار‮ ‬في‮ ‬بعض‮ ‬الأحيان‮. ‬إن‮ ‬شرحاً‮ ‬دقيقاً‮ ‬وصحيحاً‮ ‬وحرفياً‮ ‬بشكل‮ ‬كامل،‮ ‬وبالتالي‮ ‬أطول‮ ‬وأصعب‮ ‬بالضرورة،‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يحجب‮ ‬المعنى‮ ‬بدل‮ ‬من‮ ‬أن‮ ‬يُظهره‮. ‬فالإغراق‮ ‬في‮ ‬الخطوات‮ ‬والتفاصيل‮ ‬كمن‮ ‬يعد‮ ‬الأشجار‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬يرى‮ ‬الغابة،‮ ‬ولهذا‮ ‬فإهمال‮ ‬بعض‮ ‬التفاصيل‮ ‬أو‮ ‬الشروح‮ ‬الصغيرة‮ ‬التي‮ ‬يُطلب‮ ‬من‮ ‬الطالب‮ ‬أن‮ ‬يعرفها،‮ ‬أمر‮ ‬يُساعده‮ ‬في‮ ‬إضفاء‮ ‬المعاني‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬يتعلمه‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬يحفظ‮ ‬التمرين‮ ‬أو‮ ‬البرهان‮ ‬أو‮ ‬الطريقة،‮ ‬بل‮ ‬يُفكر‮ ‬فيها‮ ‬ويطرح‮ ‬التساؤلات‮.‬

وأخيراً،‮ ‬مع‮ ‬إيماني‮ ‬أن‮ ‬المعرفة‮ ‬نتاج‮ ‬ممارسة‮ ‬ذاتية‮ ‬عبر‮ ‬الآخر‮ ‬الحاضر‮ ‬دوماً‮ ‬فينا،‮ ‬وتأمل‮ ‬في‮ ‬التجربة‮ ‬عبوراً‮ ‬وتنافذاً،‮ ‬فإنني‮ ‬في‮ ‬الوقت‮ ‬ذاته‮ ‬أعتقد‮ ‬أن‮ ‬تجاربنا‮ ‬تظل‮ ‬ناقصة‮ ‬من‮ ‬دون‮ ‬الانفتاح‮ ‬على‮ ‬ما‮ ‬يكتب‮ ‬في‮ ‬حقول‮ ‬المعرفة‮ ‬الإنسانية‮ ‬كافة،‮ ‬هذا‮ ‬مع‮ ‬إيماني‮ ‬أن‮ ‬الرياضيات‮ ‬لصيقة‮ ‬إلى‮ ‬الفلسفة‮ ‬والأدب‮ ‬والفن‮. ‬إن‮ ‬قراءة‮ ‬كل‮ ‬كتاب‮ ‬قد‮ ‬تكون‮ ‬فرصة‮ ‬للتحديق‮ ‬في‮ ‬المناطق‮ ‬المظلمة‮ ‬التي‮ ‬تكتنفها‮ ‬العتمة،‮ ‬ويُغطيها‮ ‬السؤال،‮ ‬وتترك‮ ‬أثراً‮ ‬في‮ ‬النفس،‮ ‬فأنا‮ ‬لا‮ ‬أستطيع‮ ‬أن‮ ‬أخفي‮ ‬ما‮ ‬تركته‮ ‬القراءات‮ ‬في‮ ‬نفسي؛‮ ‬فسارتر‮ ‬حفر‮ ‬في‮ ‬داخلي‮ ‬السؤال‮ ‬العادي،‮ ‬وألبير‮ ‬كامو‮ ‬أوحى‮ ‬لي‮ ‬بكم‮ ‬يكون‮ ‬الإنسان‮ ‬غريباً‮ ‬إذا‮ ‬فسر‮ ‬الأشياء‮ ‬بالمنطق‮ ‬المألوف‮ ... ‬وعبد‮ ‬الرحمن‮ ‬منيف‮ ‬بيّن‮ ‬لي‮ ‬إمكانية‮ ‬تعليم‮ ‬التاريخ‮ ‬نصاً‮ ‬روائياً‮ ‬قابلاً‮ ‬للتأويل،‮ ‬وابن‮ ‬عربي‮ ‬بيّن‮ ‬لي‮ ‬الفرق‮ ‬بين‮ ‬الكميات‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الكبر‮ ‬وتلك‮ ‬المتناهية‮ ‬في‮ ‬الصغر،‮ ‬وكيف‮ ‬يُمكن‮ ‬أن‮ ‬تحوي‮ ‬الثانية‮ ‬الأولى‮ (‬وتزعم‮ ‬أنك‮ ‬جرم‮ ‬صغير‮ ‬وقد‮ ‬انطوى‮ ‬فيك‮ ‬الكون‮ ‬الأكبر‮)‬،‮ ‬أما‮ ‬تولستوي‮ ‬فأوحى‮ ‬لي‮ ‬بإمكانية‮ ‬تحميل‮ ‬المفاهيم‮ ‬الرياضية‮ ‬والعلمية‮ ‬صفات‮ ‬النفس‮ ‬الإنسانية،‮ ‬وأدهشني‮ ‬باشلار‮ ‬بقدرته‮ ‬الكاسحة‮ ‬على‮ ‬إيصال‮ ‬الأفكار‮ ‬العقلانية‮ ‬إلى‮ ‬مختبرات‮ ‬الشعر‮ ‬بطريقة‮ ‬تأملية‮ ‬علمية‮ ‬شاعرية،‮ ‬جمعت‮ ‬بين‮ ‬الاستعارة‮ ‬العلمية‮ ‬والبرهان‮ ‬الأدبي‮.‬

إن‮ ‬البعد‮ ‬كمسافة‮ ‬يمنحنا‮ ‬فرصة‮ ‬أوسع‮ ‬للتأمل‮ ‬والتفكير‮ ‬والنظر‮ ‬إلى‮ ‬الخلف‮ ‬بعقل‮ ‬مفتوح،‮ ‬وإلى‮ ‬الأمام‮ ‬بحس‮ ‬وأمنية‮. ‬عندما‮ ‬ألتفت‮ ‬إلى‮ ‬الخلف‮ ‬أرى‮ ‬أن‮ ‬تجربتي‮ ‬في‮ ‬التدريس‮ ‬كانت‮ ‬مجرد‮ ‬معادلات‮ ‬رياضية‮ ‬بسيطة،‮ ‬يجب‮ ‬أن‮ ‬يأتي‮ ‬أحد‮ ‬أطرافها‮ ‬علامات‮ ‬ونتائج‮ ‬وتحصيلاً‮ ‬مهما‮ ‬كانت‮ ‬أطرافها‮ ‬الباقية‮! ...‬وهنا‮ ‬أتساءل‮ ‬عن‮ ‬الفائدة‮ ‬من‮ ‬قضاء‮ ‬السنوات‮ ‬في‮ ‬اجتياز‮ ‬حروف‮ ‬النظريات‮ ‬وفواصلها؟‮ ‬عن‮ ‬معنى‮ ‬هذه‮ ‬التفسيرات‮ ‬الحرفية‮ ‬القاتلة‮ .(‬ألم‮ ‬يقل‮ ‬أحدهم‮ ‬أن‮ ‬الحرف‮ ‬يقتل‮ ‬أما‮ ‬الكلمة‮ ‬فتحيي‮!).‬

عندما‮ ‬أنظر‮ ‬إلى‮ ‬الأمام‮ ‬أتمنى‮ ‬العودة‮ ‬إلى‮ ‬المدارس‮ ‬نفسها‮ ‬التي‮ ‬كنت‮ ‬فيها‮ ‬طالباً‮ ‬أو‮ ‬معلماً،‮ ‬وأكون‮ ‬مع‮ ‬أساتذتي‮ ‬وطلبتي‮ ‬لأحاول‮ ‬اكتشاف‮ ‬تلك‮ ‬الأخطاء‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬أقترفها‮ ‬وكبلتني،‮ ‬وتلك‮ ‬التي‮ ‬اقترفتها‮ ‬وزادت‮ ‬من‮ ‬تكبيل‮ ‬غيري،‮ ‬لعلّي‮ ‬أغيّر‮ ‬من‮ ‬بعض‮ ‬القناعات‮ ‬أو‮ ‬بعض‮ ‬الاتجاهات،‮ ‬وإلاّ‮ .... ‬ما‮ ‬الفائدة‮ ‬من‮ ‬هذه‮ ‬الأخطاء‮ ‬إذا‮ ‬لم‮ ‬تكن‮ ‬هذه‮ ‬الأخطاء‮ ‬ارتطاماً‮ ‬لتعديل‮ ‬الاتجاهات‮ ‬وتغيير‮ ‬القناعات‮. ‬تلك‮ ‬القناعات‮ ‬التي‮ ‬تربيتُ‮ ‬عليها‮ ‬أو‮ ‬ربيت‮ ‬غيري‮ ‬عليها،‮ ‬والتي‮ ‬تكفلت‮ ‬التجربة‮ ‬والممارسة‮ ‬بنقدها‮ ‬بعد‮ ‬ذلك‮!‬


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى